التمويل الداخلي في خطاب العرش.. رهان جديد لتعزيز السيادة الاقتصادية

التمويل الداخلي في خطاب العرش.. رهان جديد لتعزيز السيادة الاقتصادية

 حملت الإشارة إلى القطاع المالي في خطاب العرش السابع والعشرين دلالات تتجاوز القضايا التقنية المرتبطة بالقروض والسيولة، إذ وضعت تمويل التنمية في قلب التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده المغرب.

فالمرحلة المقبلة لا تقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو بحجم الاستثمارات المبرمجة، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد الوطني على تعبئة الموارد اللازمة لإنجازها، مع منح الأولوية للإمكانات المالية الداخلية.

ويأتي هذا التوجه في سياق تتعدد فيه الأوراش الاستراتيجية التي تخوضها المملكة، من تطوير البنيات التحتية وتأهيل المجالات الترابية، إلى تسريع الانتقال الطاقي والمناخي وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، فضلاً عن الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030.

وتفرض هذه المشاريع موارد ضخمة وآليات أكثر تنوعاً، ما يجعل المطلوب الانتقال من تمويل مبادرات متفرقة إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على مواكبة التحول الاقتصادي بمختلف أبعاده.

التمويل المحلي وتقليص الارتهان للتقلبات الخارجية

يعكس التركيز على تعبئة الموارد الداخلية ثقة في قدرة الاقتصاد المغربي على تحويل مدخراته إلى استثمارات منتجة، كما يمنح القرار الاقتصادي هامشاً أوسع من الاستقرار والاستقلالية.

فالاعتماد المفرط على التمويل الخارجي يجعل الاقتصادات أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وأسعار الفائدة وشروط الاقتراض، بينما يساهم التمويل الوطني في تقليص هذه المخاطر وتعزيز السيادة الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، لم يعد القطاع المالي مجرد وسيط يقدم القروض، بل أصبح جزءاً من البنية التحتية للاقتصاد، إلى جانب الطرق والموانئ والطاقة والاتصالات، باعتباره الحلقة التي تربط بين الادخار والمشاريع المنتجة للثروة وفرص العمل.

تنويع أدوات التمويل

دعا الخطاب إلى توسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، في إشارة إلى أن القرض التقليدي لم يعد كافياً لمواكبة حاجيات اقتصاد سريع التحول.

وتبرز هنا أهمية سوق الرساميل وصناديق الاستثمار ورأس المال الاستثماري وآليات التمويل البديل، حتى يتمكن كل مشروع من الوصول إلى الأداة التي تناسب حجمه وطبيعة نشاطه ومرحلة تطوره.

كما يمثل تنشيط البورصة وإدراج مزيد من الشركات وتوسيع قاعدة المستثمرين مسارات ضرورية لتحويل الأسواق المالية إلى قناة فعلية لتمويل الاقتصاد، شريطة مواصلة تعزيز الحكامة والشفافية والثقة.

المقاولات الصغرى والمتوسطة في صلب الرهان

يكتسي تحسين تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في تكوين النسيج الإنتاجي وتوفير فرص الشغل، مقابل استمرار معاناتها من صعوبة تقديم الضمانات وارتفاع كلفة الاقتراض ومحدودية البدائل.

ولا ينبغي التعامل مع تمويل هذه المقاولات باعتباره مساعدة ظرفية، بل استثماراً في توسيع القاعدة الإنتاجية وتحفيز التشغيل والابتكار وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين الجهات.

وتتجه الرؤية المطروحة إلى إعطاء الأولوية للمشاريع المرتبطة بالابتكار والتصنيع والتصدير، باعتبارها مجالات ترفع القيمة المضافة وتعزز حضور المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية.

الادخار الوطني رافعة للمشاريع الكبرى

يمثل الادخار المؤسساتي المتوفر لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار مورداً مهماً يمكن توجيه جزء منه نحو تمويل المشاريع طويلة الأمد.

ويتطلب ذلك تطوير أدوات استثمارية تضمن العائد والأمان لهذه المؤسسات، وفي الوقت نفسه توفر للاقتصاد موارد مستقرة قادرة على دعم البنيات التحتية والصناعة والطاقات المتجددة.

وبذلك تؤسس توجيهات خطاب العرش لرؤية تجعل قوة الاقتصاد مرتبطة بقدرته على تمويل طموحاته بإمكاناته الوطنية، وتحويل موارده ومدخراته إلى تنمية مستدامة تستفيد منها مختلف الفئات والمجالات الترابية.